محمد عبد الله دراز

299

دستور الأخلاق في القرآن

فإذا أصغينا إلى ما يقوله بعض المفكرين فلن يكون مجال مطلقا لإرادة إنسانية حرّة ، بالمعنى الصّحيح ، ولقد كتب شوبن‌هور [ Schopenhouer ] ، يقول : « هناك أناس طيبون ، وآخرون خبثاء ، وذلك مثلما يوجد حملان ، ونمور . فالأولون يولدون بمشاعر إنسانية ، والآخرون يولدون بمشاعر أنانية ، وعلم الأخلاق يصف أخلاق النّاس ، مثلما يصف التّأريخ الطّبيعي خصائص الحيوانات » . ويذهب سبينوزا [ Spinoza ] ، إلى حدّ القول بأنّ الأعمال الإنسانية ، شأن جميع ظواهر الكون ، تنتج ، وتستنبط بنفس الضّرورة المنطقية الّتي يستنتج بها من جوهر المثلث أنّ زواياه الثّلاث تساوي قائمتين . وهذا « كانت » ، بطل الحرية ، الّذي جعل منها المسلمة الأساسية للحاسة الأخلاقية ، يعلمنا نوعا من الحتمية الإنسانية ، الّتي لا يحول طابعها المطلق والميتافيزيقي ، من أن تتعلق بالصرامة العلمية ، إذ يؤكد أننا لو كنّا نعرف جميع الظّروف ، والسّوابق ، فإنّ أعمال الإنسان يمكن التّنبؤ بها بنفس الدّقة الّتي يحدد بها كسوف الشّمس . وقد كان عليه ، لكي ينقذ الحرية ، ومعها المسؤولية - أن يخرجهما كلّية من مجال التّجربة ، ومن عالم الظّواهر ، ليحبسهما في عالم مجهول ، يراه غير قابل للمعرفة ، وهو ما يتساوى عمليا مع إنكار واقعهما الرّاهن ، حتّى لا يبقى منه سوى تذكار دارس ، وأمل ملتبس . ولم يتردد هوم [ Hume ] في أن يقول هذا بألفاظ مباشرة « إنّ شعورنا بالحرية ليس إلّا وهما » . بيد أنّ مسؤوليتنا عن كلّ عمل مقصود - على ما يعتقد أنصار الاختيار الحرّ -